بقلم: أوري ساڤير

حققت قمة كامب ديفيد التي انعقدت بين الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” وحكام دول الخليج في (14 مايو) نجاحاً نسبياً فقط. فقد فضّل الملك السعودي “سلمان بن عبد العزيز” عدم المشاركة، نظراً لأن الرئيس الأمريكي لم يكن مستعداً لبحث اتفاق من شأنه أن يمنح للمنطقة مظلة دفاع أمام المطامع الإيرانية. ومع ذلك، تعهد “أوباما” بالفعل لمحاوريه من منطقة الخليج، بأن هدف الأمريكان الأساسي هو منع إيران من تطوير سلاح نووي، وبأن إدارته ستستمر في تعزيز أمن ومصالح دول الخليج.

من جانبه، أوضح مسئول رفيع المستوى في وزارة الخارجية الأمريكية لموقع المونيتور أن هذا الموقف، الذي لا ينصاع لمطالب دول النفط الثرية، يعكس جيداً السياسة الخارجية الخاصة بإدارة “أوباما”.

أحصى المسئول الركائز الداعمة للسياسة الخارجية التي رسمها الرئيس “أوباما”، والتي يأتي على رأسها استخدام القوة كمخرج أخير يلجأ إليه. بحسب زعمه، وفق ديموقراطية “أوباما”، الولايات المتحدة لا ترى في قواتها المسلحة آداة أساسية في تعزيز مصالحها تجاه الخارج. إن استخدام القوى هو المخرج الأخير بكل تأكيد، ووسيلة ردع مهمة. لكن إدارة “أوباما” ترى في أدوات أخرى – مثل التكنولوجيا، والصناعة، والسلك الأكاديمى، والثقافة وسياسات المعونة الأمريكية – مميزات لا تقل أهمية بالنسبة لسياستها الخارجية. بوسع أمريكا البقاء قوة عظمى حتى وإن تمكنت من استغلال قوتها الناعمة.

لا يؤمن “أوباما” بأن استخدام القوة في حد ذاته قد يجني مكاسب استراتيجية أو يحل صراعات طويلة الأجل. كذلك، لا يعتقد أن الولايات المتحدة في حاجة للتحرك وحدها – يؤمن الرئيس من صميم قلبه بالدبلوماسية الجماعية، وهناك نماذج مثل سوريا وإيران تشير إلى ذلك.

هناك ركيزة داعمة لا تقل أهمية، تتصل بمكسب أمريكا الاقتصادي، ألا وهو اعتبار حاسم في تحديد السياسة الخارجية الخاصة بالولايات المتحدة، مع التركيز الشديد هنا على علاقاتها مع الصين، واليابان، والهند، والاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية والجنوبية. في هذا الإطار، صفقات التجارة والبيئة الضرورية لا تقل أهمية عن الصفقات العسكرية.

أحد الجوانب التي تحتم واقع – ربما حتى مصير – هذا المذهب هو ملف الطاقة. يقود “أوباما” الولايات المتحدة نحو استقلالية في مجال الطاقة، وعندما يحين هذا الوقت، فهذا من شأنه أن يبعدها عن دول الخليج والشرق الأوسط.

كما أشار المصدر، أن الرئيس يرفض أن يمد معونات (سواء اقتصادية أو عسكرية) للدول التي تحمل موقف معاد تجاه الولايات المتحدة ومصالحها. تسير الإدارة الأمريكية بمبدأ تبادل المصالح، وبالتالي فهي تطلب في مقابل المعونة تقدير واحترام مصالح الولايات المتحدة.

هذا المذهب هو بمثابة أخبار سيئة بالنسبة للشرق الأوسط أجمع، عرب وإسرائيليون على حد سواء. يبدو أن الفترة التي كان من الممكن فيها طلب المساعدة من الولايات المتحدة وبعدها مباشرة سبها وحرق علمها في مظاهرات حاشدة قد انتهت. على نفس الوزن، انتهت الفترة التي كان يمكن الاعتماد فيها على التدخل العسكري والسري للولايات المتحدة، وبعدها مباشرة ادانتها. لقد تحول الشرق الأوسط، القائم على صراعات دينية، وسياسية وعرقية، في نظر واشنطن بقدر كبير من مكسب استراتيجي إلى حالة ميئوس منها.

مازال نفط دول الخليج يمثل أهمية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، بسبب تأثيره الحاسم على أسعار النفط في العالم. ومع ذلك، فإنه يفقد من أهميته كمصدر للطاقة، إثر القفزة التي حدثت في طريق الولايات المتحدة إلى استقلالية الطاقة. في ظل هذا الواقع الاقتصادي والعالمي، وبعلاقة طردية مع عقائد “أوباما”، تكثف الإدارة مطالبها من الدول الشرق أوسطية في كل ما يتعلق بالقيم الأساسية الخاصة بأمريكا، مثل الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان. وهذه تمثل أخبار سيئة بالنسبة لمصر، وكذلك بالنسبة لمنطقة المغرب العربي والخليج العربي؛ واليوم أصبح ذلك يمثل مشكلة حتى بالنسبة لإسرائيل بقيادة “نتنياهو” (مثلما يمكن أن نستنتج من اللقاء الذي منحه “أوباما” لـ “چيفري جولدبيرج باتلونتيك الذي انعقد في يوم 21 مايو).

إن ركزنا على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني – نجد أنه من شأنه أيضاً أن يتضرر بشدة من مذهب الانفصال هذا وذلك لعدة أسباب:

أن الإدارة الأمريكية مصابة بإحباط شديد من المواقف التي أظهرها رئيس الحكومة الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” والرئيس الفلسطيني “أبو مازن”، في محادثات السلام التي بادر بها في الربيع الماضي وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري”. لم تضيف آلاف الوحدات السكنية التي بُنيت في الضفة الغربية وفي شرقي القدس، واتفاق الوحدة الوطنية الذي وقعت عليه فتح مع حماس، إلى مصداقية الإسرائيليين أو الفلسطينيين في نظر الأمريكان شيء. ومن غير الممكن أن تكون الولايات المتحدة راغبة في سلام أكثر من الطرفين أنفسهما.

فضلاً على ذلك، فقد “نتنياهو” احترام وصداقة البيت الأبيض. حتى دعمه للجمهوريين في معارضتهم للرئيس في قضية النووي الإيراني لم يمنحه شعبية كبيرة في المكتب البيضاوي. نفس الشيء يمكن قوله أيضاً على رفض حل الدولتين، وعلى نية توسيع البناء في المستوطنات وعلى موقفه تجاه عرب إسرائيل، مثلما صرح إبان عشية الانتخابات.

وإلى جانب كل ذلك، يمكن أن نضيف حقيقة أنه حتى الفلسطينيين يعانون من انصراف واشنطن الاقتصادي عن العالم العربي، بعد فشل الربيع العربي. ترى الولايات المتحدة في “أبو مازن” زعيماً معتدلاً لكنه ضعيف، أمام معارضة حماس؛ ووضع كهذا بالطبع لا يشجع مزيداً من التدخل الكبير للولايات المتحدة. في الغالب، يبدو أنه لا يوجد ميل داخل إدارة “أوباما” لمساعدة إسرائيل، ولا حتى الفلسطينيين، “على عكس رغبتهم”. من هنا يمكن للإسرائيليين والفلسطينيين أن يستنتجوا أنهم سيخدمون أنفسهم بأنفسهم.

إن كانت القيادة في القدس وفي رام الله تدرك جيداً إلى أي مدى انفصال الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وشيك، لكان من الممكن بكل تأكيد أن يترتب عن ذلك انعكاسات إيجابية. ولكن حتى الآن، يبدو أنهم يعيشون في نفس الوهم بأن الولايات المتحدة (من ناحية إسرائيل) والمجتمع الدولي (من ناحية الفلسطينيين) سيهبون إلى مساعدتهم من دون أي قيد او شرط.

هذا الانفصال لواشنطن بكل تأكيد مفهوم؛ لكن الحكومات في الشرق الأوسط يتعذر عليها التسليم بالحقائق، وعليه فقد ينبعث من ذلك تداعيات وخيمة للغاية على المنطقة. يُمكن توقع استمرار الجمود، بسبب تعنت إسرائيل من جانب، وبسبب ضعف السلطة الفلسطينية من جانب آخر؛ ولا يستطيع أيا منهما من تلقاء نفسه أن يدفع بحل، وكلتاهما أيضاً سوياً تفقدان دعم المجتمع الدولي. وضع مماثل سيقود بشكل حتمي إلى تعزيز المتطرفين من الطرفين – سواء حماس أو المستوطنين الذين يحظون بتمثيل في الحكومة الإسرائيلية. في نهاية المطاف، هذا الأمر سيقود إلى العنف، سواء العمليات الإرهابية أو اندلاع انتفاضة، وربما أيضاً سيؤدي إلى جولة أخرى من شن حرب في غزة. وفقط بعدما يُسفك مزيد من الدماء ويستقر الغبار، حينها من الممكن أن يتدخل المجتمع الدولي مجدداً في الأحداث.

وبناء على ذلك، سيكون من الأفضل أن تقوم الولايات المتحدة بالتدخل قبل ذلك – انطلاقا من وعيها لعيوب الطرفين – من أجل تعزيز مصالح نفسها. وخلافاً لجولات المحادثات السابقة – والمخفقين – يجب على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يطرحوا مرة أخرى اتفاق إطار يكون في نطاق “هذا هو الواقع”، بما في ذلك افتراض عواقب وخيمة للغاية في حالة رفضه. أسلوب مماثل يتماشى مع المذهب الدبلوماسي الجماعي الذي يتبعه “أوباما”، وفي نفس الوقت أيضاً يوافق السياسة التي تشمئز من ملاحقة ناكري الجميل.