تسيفى برئيل
إنها سيارة عتيقة تخضع لإصلاحات على وشك أن تسير بإسرائيل في السنوات القريبة. ليس فيها أجزاء كثيرة جديدة، وهيكلها قائم على قطع غيار قديمة، ومزاحمة منتجات حكومات سابقة. عدا “موشيه يعالون”، بكل تأكيد، الذي بمثابة محور خلفي للسيارة، عليه سيرتكز الجزء الأكبر من وزن السيارة.
في الحقيقة، “كحلون” ليس بمثابة تجديد حقيقي، وكوزير مالية سيكون لزاماً عليه أن يثبت لنا أن خطته التجارية بإمكانها أن تحل المشكلات الأساسية الإقتصادية الخاصة بالدولة، وأن ائتمانه قد حصل عليه استناداً إلى رأسمال شخصي ضئيل نسبياً، الذي بنى عليه النفوذ العام. لكن “كحلون” أخذ على عاتقه مسئولية (والتزام) رَحِب أكثر مما سيأتي من حقيبة المالية. لقد نصّب “كحلون” نفسه على أنه من سيعمل على إعادة تصنيف ليس فقط الليكود، بل الدولة بأكملها. فعلى سبيل المثال، اعترض “كحلون” على العبوات الناسفة التي ينوي أنصار اليمين أن ينصبونها لمحكمة العدل العليا؛ كما دعم تحسين التعليم كوسيلة لتقليص الفوارق الاقتصادية؛ ويتعهد بحلّ الاحتكار ليس كهدف اقتصادي فحسب بل كرؤية اجتماعية، وتحسين الخدمة الاجتماعية التي تُمنح اليوم للمواطنين.
وهذا ليس كل شيء. فأكثر من أي وزير آخر، “كحلون” يمثل التحوّل الفكري الذي حدث في إسرائيل في عهد “بنيامين نتنياهو”. وقد تعهد بأن بقضي نهائياً على المسيرة السياسية. في برنامجه لا يوجد أي ذكر لحل الدولتين، وأقصى ما يمكن أن يمنحه للفلسطينيين هو إدارة ذاتية مُعدَّلة إلى جانب استمرار البناء في الكتل الاستيطانية وفي أحياء القدس الشرقية.
في هذا الجانب لا يختلف “كحلون” عن الأطراف اليمينية التي ستتشكل منها الحكومة. ولكنه على الأقل يتطلع بأن تتحول إسرائيل، في نظره، إلى دولة لائقة، وهذا ليس سهلاً. إنه يمثل بذلك صيغة أكثر ملاءمة للشعار الغاشم لليمين “المنتصر يحصل على كل شيء”، أو لنحيب اليسار “لقد خسرنا – دعوا اليمين ينشر الخراب”. كلما تعلقت الأمور بـ”كحلون”، فلن يقود اليسار عملية السلام، ولكن في نفس الوقت لن يحصل اليمين والمتدينيين على دولة تطبق الشريعة اليهودية موعودة من الرب ولا محكمة مدنية. وبحسب تصريحاته العلنية، “كحلون” يسعى إلى أن يصبح الموازن القومي بين مطالب اليمين الفاشي وبين مطالب اليسار الفوضوي. هذه قدرة الڤيتو المرتكزة على المقاعد العشرة التي حصل عليها.
لقد فصل “كحلون” نفسه من الإنشغال بالمسيرة السياسية، وبإمكانه أيضاً أن يزعم أنه بموجب نتائج الإنتخابات، أن أغلب الجمهور الإسرائيلي قد مقتوا منها، ولكن بذلك يزداد حمل مهمته المدنية. إن جعل “نتنياهو” استبعاد المسيرة السياسية وتأليه التهديد الإيراني، ذرائع لوجود حكومة يمين برئاسته، فمهمة “كحلون” هي تشييد معابد جديدة، فيها لن يعبدوا إله الأمن فحسب بل سيصلحون بنية الدولة المدنية. هذه المهمة تمنح “كحلون” منزلة رمز غير السياسي، مثلما يستطيع اليسار الوسط أن يتلف حوله كمثل غزل البنات حول القصبة، واليمين الوسط يمكنهم أن يتحملوه مثلما يتحملون الدواء. لو لم يكن هناك وجوداً لمواقفه حول عملية السلام، والإحتلال ودعم المستوطنات، لكان بمقدور “كحلون” أن يكون بمثابة جبهة إنقاذ مكونة من رجل واحد.
كل هذه المبشرات من شأنها أن تتحقق لو كانت إسرائيل في نفس وضع السويد أو اليابان – دول بمقدورها أن تسمح لنفسها بأن تنشغل بوضع التعليم ومراعاة وضع الأجانب، أو الاهتمام بحجم الصيد الشرعي وغير الشرعي. دول لديها مسألة التخبط بين الاحتلال والديموقراطية هي مسألة مسار نقاش في المؤتمرات الفكرية وليست أسلوب حياة. هنا يكمن الخداع الكبير الذي يعكس بريق “كحلون”. “كحلون”، في مخيلته، بعدم وجود الاحتلال والبناء في المستوطنات، إسرائيل بوسعها أن تكون السويد أو اليابان. بمقدورها أن تكون دولة مدنية وأن تنمي اقتصاد مزدهر. لو لم يكن هناك وجوداً للمستوطنات المنتشرة في كل أرجاء البلاد، لكان بمقدور إسرائيل أن ترتقي بالتعليم وأن تقلص الفوارق الاجتماعية. لو لم يكن هناك وجوداً لـ”نتنياهو” و”بينيت”، إسرائيل هي دولة “كحلون”.