بقلم: عاموس يدلين

معهد دراسات الأمن القومى

اشكالية تعامل قادة الجيش الإسرائيلى مع المستشار القانونى لهم حيث يتأرجح دوره بين تطبيق القانون وتقديم المشورة القانونية

إن تحقيقات الشرطة الجارية مع اللواء (احتياط) “أڤيخاي مندلبليت”، المدعي العام العسكري السابق، وسكرتير الحكومة الحالي، بسبب طريقه تصرفه خلال توليه لمهام منصبه وتقديم استشارات قضائية لرئيس الأركان “جابي إشكنازي” في قضية “هارباز” – هو حادث دلالته تخرج عن الحالة الشخصية لـ”مندلبليت”. القرار الذي سيصدره المستشار القضائي للحكومة أو محكمة العدل العليا، في مسألة مستقبلها من شأنه أن يؤثر على قدرة قادة الجيش الإسرائيلي في العمل بالتعاون مع مستشاريهم القضائيين، وضباط النيابة العسكرية، وعلى رأسهم المدعي العام العسكري. إن الضرر الناجم عن قرار خاطئ من شأنه أن يؤثر على كافة مناحي القيادة، في الحالات العادية وفي حالات الطوارئ، وغالباً في أهم مجال، القائم في الوسيط بين القادة والنيابة العسكرية: المستشار القضائي الفعلي للقادة أثناء الإعدادات للحرب وإبّان الحرب.

يمتلك المدعي العام العسكري “قبعة مزدوجة” – مستشاراً قانونياً ومطبقاً للقانون – مثل المستشار القضائي للحكومة. هذه الإزدواجية تمنحه نفوذ واسع في المنظومة العسكرية. كل واحد من كلا العنصرين – المشورة القانونية وتطبيق القانون – يكمل الآخر، والدمج السليم بينهما بإمكانه أن يضمن للجيش مشورة قانونية نوعية، من باب الحرص على إرساء سلطة القانون وحفظه. إن العمل تحت “قبعة مزدوجة” يتطلب مهمة إتزان دقيقة، بهدف تحقيق أقصى قدر من منافع الإزدواجية من جانب، والتغلب على المصاعب المنطوية عليها من جانب آخر.

ومثال تقليدي على المصاعب التي تستدعيها إزدواجية المهام هو الحالة التي يطلب فيها القائد استشارة قانونية، إلا أن المحادثة التي يديرها مع المدعي العام العسكري في هذا السياق من شأنها أن تمثل قاعدة لاتخاذ خطوات ضده في مجال تطبيق القانون. بوسع القائد أن يحصل على استشارة قانونية فعّالة فقط في منظومة العلاقات القائمة على كامل الثقة في المستشار القانوني، إيماناً بأن الأمور ستبقى بينهما في سرية تامة، وبالطبع لن تستطيع عناصر التحقيق مستقبلاً استغلالها. مؤكد أنه لا نية في استخدام التشاورات من أجل تنفيذ جريمة. ففي حالات كثيرة، نتحدث عن قضايا لا توجد لها إجابة قانونية قاطعة.

إن القائد الذي يسأل مشورة المدعي العام العسكري يتوقع، بشكل شرعي، بهذا الإجراء سيرتدى الأخير “قبعة” المستشار القانوني. يستقل المستشار القانوني بقراره الذي يقضي بأن تصرف بهذه الطريقة أو بأخرى التي يسعى القائد إلى تنفيذه غير قانوني، لكن ليس من المناسب بأن يرتدى في إطار عملية التشاور “قبعة” مطبق القانون. عليه أن يترك استخدام هذه القبعة للأبد، للحالة التي سيختار فيها القائد أن يتصرف بشكل غير قانوني على الرغم من التشاور.

وبذلك، حينما يتشاور قائد سلاح الجو الإسرائيلي، على سبيل المثال، مع المدعي العام العسكري بخصوص شرعية استخدام وسائل هجومية معينة، فإنه يتوقع بشكل شرعي أن ما يقال في هذا التشاور لن يُستخدم في المستقبل لغرض اتخاذ إجراءات قضائية ضده، بما في ذلك التحقيقات (طالما يتصرف، بالطبع، وفقاً للرأي القضائي). وكان ذلك هو توقعاً مماثلاً لرئيس شعبة الاستخبارات الذي يسأل التشاور مع المدعي العام العسكري بشأن شرعية تنفيذ عملية في أرض العدو، أو عملية ما قد تضر بحقوق الإنسان. وهذا هو الحال حينما يتلقى رئيس شعبة العمليات مشورة من المدعي العام العسكري في قضايا تتصل بشرعية قرار استهداف مواقع قومية في دول العدو، واستهداف منشآت إرهابية في قطاع غزة والتي تقع في محيط مدني، وإحباط مستهدف ومكثف لقادة في التنظيمات الإرهابية، وإجلاء سكان من ساحات القتال وما إلى ذلك.

نفس التوقع قائم أيضاً عندما يسأل القائد من الحين للآخر مشورة المدعي العام العسكري أو مستشاره القانوني العسكري في الأمور العادية، على سبيل المثال، في مسألة إن كان من الممكن والمناسب اتخاذ خطوات قيادية بحق ضابط أو جندي في سياق أخلاقي (بخلاف السياق الجنائي)، وما شابه. ما هو واضح أنه لن يتبادر إلى الذهن بأنه بعدما يتشاور القائد بسرية تامة مع مستشاره القانوني، يتوجه ذلك المستشار، من دون الرجوع إلى القائد لأخذ موافقته، ويقدم هذه الأمور إلى قسم تحقيقات الشرطة العسكرية أو إلى الشرطة. عمل مماثل سيهدم تماماً علاقات الثقة الضرورية بين القائد ومستشاره، وسيجعل القائد يتجنب الاستعانة في خدماته بذلك المستشار مستقبلاً. نهج دستوري مماثل من شأنه أن يقود إلى إلغاء نظام الإستشارة القانونية، أو على الأقل تحوله إلى أمر غير مجدي.

تحمل بعض المنشورات الصحفية المتعلقة بـ”قضية مندلبليت” ملامح لنهج مثير للقلق مفاده، أنه على المدعي العام العسكري أن يقوم بدور المدعي العام حتى في الحالات التي يتوجه إليه فيها القائد بطلب الاستشارة القانونية – وليس بصفته مدعي عسكري فحسب، بل أيضاً مدعي باسم الشرطة أو مستشار قانوني للحكومة.

فإذا قمنا بتطبيق هذا النهج على الأمثلة التي سبق وذكرناها، فإننا سنتخذ الحالة التي يأتي فيها قائد سلاح الجو، ورئيس شعبة الاستخبارات، ورئيس شعبة العمليات ليطلبوا من المدعي العام العسكري توضيح مسألة شرعية مختلف الخطوات العملية – فهم يتعرضون لخطر أن أقوالهم، التي خرجت إلى آذان المستشار فقط، سيتم نقلها وقد تُستخدم ضدهم في المستقبل. هذا بدلاً من الحديث المثمر الذي جرى في العقد الأخير بين القيادة العسكرية والقيادة القانونية، الذي على أساسه طُرحت حلول قضائية فعّالة وأحياناً مبتكرة وناجزة.

إن تبعات قضية ” مندلبليت” من شأنها، على أي حال، أن تؤدي إلى ضرر جسيم بقدرات قادة الجيش في الحصول على استشارات قانونية شاملة وفعّالة، تقوم على علاقات الثقة، وغالباُ في أوقات الحرب. بالإضافة إلى ذلك، فمع مراعاة المكانة المركزية التي تحتلها المنظومة القضائية، خاصة في السنوات الأخيرة، في الحفاظ على الشرعية الدولية للعمليات التي يقوم بها الجيش وعلى صورة إسرائيل الدولية كدولة تحافظ على القانون – نحن أمام تضرر دستوري واسع المدى.

وختاماً، النهج المنعكس في شتى المنشورات الصحفية فيما يخص القضية سالفة الذكر يثير علامات استفهام حيال قدرة المدعي العام العسكري في امتلاك قبعتين بقدر مساو. فإن تم قبول التصور الذي يقف خلف قرار التحقيق مع ” مندلبليت” وخلف توصية الشرطة بمحاكمته، فمن الأفضل أن يعمل الجيش على فصل مهام المدعي العام العسكري.