إسرائيل في حالة صدمة. اخترق الخميس الموافق 30 يوليو رجل حريدي متطرف يُدعى “يشاي شليسل” “مسيرة الكرامة” في القدس مسلحاً بسكين كبير، وقام بطعن فتى دون تمييز وقد اعتقلته الشرطة وذلك بعد حالة من الهرج والمرج. وفي يوم الأحد، توفيت الشابة “شيرا بنكي” البالغة من العمر 16 عاماً، متأثرة بجراحها. وكان الحريدي الذي نفذ عملية الطعن، “شليسل”، تم الإفراج عنه قبل أقل من شهر بعدما قضى 10 سنوات في السجن بسبب واقعة مشابهة بالضبط ارتكبها قبل عقد من الزمان، في مسيرة الكرامة بالقدس.

وبينما يتعافى الإسرائيليون من هذه الفاجعة، ألقى مجهولون زجاجات حارقة على منزل أسرة فلسطينية في قرية دوما بالضفة. وسرعان ما التهمت ألسنة اللهب البيت ولم يتمكن أبناء الأسرة من الخروج منه. وقد اشتعلت النيران في الطفل الفلسطيني “علي دوابشه”، البالغ من العمر سنة ونصف، حتى قضت عليه. وحالات أبويه الجرحى حرجة، وكذلك أخاه (البالغ من العمر أربعة أعوام). يصارع الأطباء في المستشفيات بإسرائيل لإنقاذ حياتهم على مدار الساعة.

لقد انتاب المجتمع الإسرائيلي شعور بالضيق الشديد دفعة واحدة، بالتزامن مع موجة حر شديدة جاء بها شهر أغسطس. هل تتغير إسرائيل؟ هل ظواهر الربيع العربي المتطرفة التي انتشرت من حولها تتسرب أيضاً إلى داخل الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط؟ الجواب المختصر هو لا. ليس بعد. لكن المؤشرات الدالة على ذلك بدأت تتراكم والعنوان يُسجل، أمام أعيننا، على الحائط.

إن الحادث الذي وقع في دوما حادث مريع للغاية. إنه ينتمي إلى ما أُطلق عليه قبل فترة قصيرة في إسرائيل بـ “أحداث دفع الثمن الانتقامية” وتم تنفيذه من قبل من أُطلق عليه مؤخراً بـ “فتى التلال”. لقد هزّ الحادث المجتمع، والإعلام والقيادة في إسرائيل. وأخيراً، بعد وقت متأخر، بدأنا نطلق على هذا الحادث ومنفذيه صفات يستحقونها: إرهاب مُمارس على أيدي إرهابين يهود.

اجتمع في يوم الأحد (2 أغسطس) المجلس الوزاري السياسى الأمنى المصغر في إسرائيل وقد صدق للشاباك والشرطة باستخدام “وسائل تحقيق خاصة” فيما يتعلق بمعرفة لغز أنشطة هذا التنظيم الإرهابي. القصد هو في الأساس اعتقالات إدارية، أسلوب يتبعه الشاباك فيما يتعلق بالإرهاب الفلسطيني. وحتى الآن استخدام هذه الآداة لم يُنفذ مع اليهود. كذلك استجواب اليهود يتم بشكل مغاير تماماً عن التحقيق مع الإرهابيين العرب. يؤكد الشاباك أنه في حالة تم وصف أحد معتقلي الخلية السرية اليهودية (في حالة اعتقالهم) بأنه “قنبلة موقوتة”، لن يكون هناك مانع باستخدام وسائل التحقيق الخاصة نفسها بحقه. القنبلة الموقوتة هو الشخص الذي يخطط لعملية إرهابية لتنفيذها في الوقت المناسب، وبالتالي يمكن توقيفه أو التحقيق معه تحقيقاً خاصاً.

من هؤلاء المشاغبين اليهود؟ نحن نتحدث، بحسب جهاز الشاباك، عن جماعة تتكون من عشرات من القصر اليهود، أغلبهم مستوطنين، يعيشون في عدة بؤر استيطانية غير شرعية في منطقة يتسهار في الضفة، وكذلك أيضاً في عدة ضواحي مدنية. إنهم يعيشون حياة انعزالية، منفصلة تماماً عن معالم السيادة الإسرائيلية ولا يعترفون بها.

قبل أسبوعين، عندما تم فك لغز المجموعة التي أحرقت كنيسة “الخبز والسمك” في يوم 18 يونيو، عُثر بحوزتهم “سجل عمل” تحت عنوان “ملكوت الخبث”. هؤلاء الشباب يرون في إسرائيل الصهيونية كفر بإله إسرائيل، وهدفهم هو إزعاج النظام الحاكم والإضرار به بأي طريقة ممكنة، حتى يتم تبادل الحكم  ليأتى من يجعل من إسرائيل دولة مطبقة للشريعة اليهودية. صحيح، هم كداعش، كثير من الهواة، وأيضاً، لحسن الحظ، أقل عنفاً.

هؤلاء الشباب يجيدون التعامل مع دوائر إحباط الجرائم الخاصة بالشاباك. إنهم لا يستخدمون هواتف جوالة، بعضهم ينام في الكهوف، يحافظون على السرية بشكل متشدد وانضباط شخصي شديد. ليس لديهم أية صلاحية. ليس لديهم أولياء أمور، أو حاخامات، أو مثل أعلى يقتدون به. إنهم في حد ذاتهم مثل أعلى يقتدى به، بقايا زائدة وعشب مستعص نبت على أطراف المستوطنات الإسرائيلية المتطرفة.

إن الشاباك على دراية تامة بهويتهم ونشاطهم، لكن لا يمكنه أن يجمع الأدلة لإدانتهم في المحاكم، لأن مثل هذه الإدانة ستؤدي إلى “حرق الأصول”. حتى عندما يُعتقلون، يصمتون. لم يسبق أن تحدث شخص منهم في أي تحقيق. تألفت العصابة التي حرقت الكنيسة من خمسة أفراد، ثلاثة منهم كانوا قد أُفرج عنهم لهذا السبب بالتحديد. والإثنان الآخران قُدمت ضدهم لوائح اتهام بفضل عمل مضن بذلته الشرطة والشاباك، حيث جمعوا أدلة على الأرض، بما فيها تحليل DNA  تم على إحدى الزجاجات الحارقة وتمشيط لمئات كاميرات المراقبة فى نطاق يصل إلى عشرات الكيلومترات.

وكما ذكرنا مسبقاً، عدد هؤلاء الإرهابيين يُقدر بعدة عشرات. حولهم يتواجد ما يسمى باسم “دائرة الدعم” تصل لعدة مئات، وحول هذه الدائرة هناك دائرة دعم أكثر هدوءاً، لوجستية في أصلها، تصل إلى عدة آلاف. نحن لا نتحدث بعد عن تهديد على النظام الحاكم في إسرائيل، أو أبعد من ذلك، لكن الظاهرة مزعجة ومن شأنها أن تقوّض النظام والاستقرار في المنطقة بأكملها.

وقد كشف الشاباك بين هذه الجماعة مؤشرات تطرف في النصف الأول من عام 2014. وحتى ذلك الحين، حاولوا في الأصل أن يشعلوا مساجد فارغة. ومن تلك اللحظة، بدأوا يحاولون إشعال منازل فلسطينية آهلة بالسكان. وقد حصدوا النجاح الأول لهم، الواقعة المريعة، في نهاية الأسبوع الماضى.

وفي يوليو 2013، وافقت الحكومة الإسرائيلية على مطلب الشاباك، ووصفت هذه العصابة بـ “رابطة غير مسموح بها”. لقد كان هناك مطلب بوصفهم بأنهم تنظيم إرهابي، لكن حكومة “نتنياهو” اكتفت بهذا الوصف المقتضب.

سواء هذا أو ذاك، فالتعريف يمكّن الشرطة والشاباك باستخدام تقنية تحقيق مطلوبة. وبحسب البيانات العددية، فإن عدد الاعتداءات ومحاولات الاعتداء منذ ذلك الحين أخذت في الانحسار، لكن نوعيتها ارتفعت، حتى وصلت لأوجها قبل أيام. الآن، إزاء النتائج الصادمة والضغط الشعبي، سيبذل الشاباك قصارى جهٍده ونشاطه من أجل التصدي ووقف هذه الموجة المستعرة.

وخلاصة القول: لا يجب أن نتحسر بعد على الديموقراطية الإسرائيلية. من الجدير بالذكر أن حادث من هذا النوع يثير في إسرائيل صدمة وسلسلة استنكارات تقريباً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بما في ذلك خطاب تعازي خاص أرسلته نائبة وزير الخارجية “تسيبي حوتوفلي”، من اليمين المتطرف، إلى القيادى بالسلطة الفلسطينية “صائب عريقات”.

في إسرائيل لا يسمون الميادين على أسماء القتلة وإن تم حبسهم فإنهم يقضون مدة حبس تستغرق سنوات طويلة. ومازال، كل من تُعتبر الديموقراطية الإسرائيلية هامة بالنسبة له، يجب أن يكون قلقاً. هناك شيء سيء يمر به المجتمع الإسرائيلي، شيء غريب ومظلم. يبدأ ذلك بالشبكات الاجتماعية ويتسرب إلى قلوب الكثيرين.

أحداث مماثلة بمقدورها أن تؤدي، في ظروف معينة، إلى إشعال انتفاضة ثالثة، وهو الامر الأخير الذي نحتاج إليه الآن، من جانبي الجدار الفاصل.

بن كاسبيت- المونيتور